ابو القاسم عبد الكريم القشيري

178

لطائف الإشارات

وفي التفسير أنه حفظ حرمة الرجل الذي اشتراه ، وهو العزيز . وفي الحقيقة أشار بقوله : « إِنَّهُ رَبِّي » إلى ربّه الحقّ تعالى : هو مولاي الحق تعالى ، وهو الذي خلّصنى من الجب ، وهو الذي جعل في قلب العزيز لي محلّا كبيرا فأكرم مثواي فلا ينبغي أن أقدم على عصيانه - سبحانه - وقد غمرنى بجميل إحسانه . ويقال إن يوسف عليه السلام قال لها : إن العزيز أمرني أن أنفعه . « عَسى أَنْ يَنْفَعَنا » فلا أخونه في حرمته بظهر الغيب . ويقال لمّا حفظ حرمة المخلوق بظهر الغيب أكرمه الحقّ سبحانه بالإمداد بالعصمة في الحال ومكّنه من مواصلتها في المآل على وجه الحلال . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 24 ] وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ( 24 ) ما ليس بفعل الإنسان مما يعتريه - بغير اختياره ولا بكسبه - كان مرفوعا لأنه لا يدخل تحت التكليف ، فلم يكن « الهم » « 1 » منه ولا منها زلّة ، وإنما الزلّة من المرأة كانت من حيث عزمت على ما همّت ، فأمّا نفس الهمّ فليس مما يكسبه العبد . ويقال اشتركا في الهمّ وأفرد - يوسف عليه السلام - بإشهاده البرهان . وفي تعيين ذلك البرهان - ما الذي كان ؟ - تكلّف غير محمود إذ لا سبيل إليه إلا بالخبر المقطوع به . وفي الجملة كان البرهان تعريفا من الحقّ إياه بآية من آيات صنعه ، قال تعالى : « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ » « 2 » .

--> ( 1 ) واضح أن القشيري بهدف إلى نفى كل تهمة عن يوسف ولهذا يلجأ إلى تأويل لفظة « الهم » الذي اشترك فيه وامرأة العزيز كما يعبر ظاهر اللفظ . ( 2 ) آية 53 سورة فصلت .